أبي منصور الماتريدي
605
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وجوه ، ولكنه في الحاصل يرجع إلى معنى واحد : فمنهم من قال : أي : كالجراد المنتشر حين أرادت الطيران . ومنهم من قال « 1 » : كالجراد الذي يموج بعضه « 2 » في بعض . ومنهم من قال « 3 » : كالفراش [ المبثوث ] « 4 » الذي يتهافت « 5 » في النار ؛ فيحترق ؛ وكل ذلك يؤدي معنى الحيرة والاضطراب من هول ذلك اليوم . وأصل ذلك قوله - تعالى - : وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [ الحج : 2 ] ، فكأن الله - تعالى - قال : إنهم يصيرون في الحيرة من هول ذلك اليوم وشدته كالطائر الذي لا يدري أين يطير ؟ وأين يثبت ؟ وأين ينزل ؟ وقوله - عزّ وجل - : وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ قال بعضهم : كالصوف المصبوغ . وقال بعضهم : كالمندوف من الصوف . فإن كان على التأويل [ الأول ] « 6 » فمعناه - والله أعلم - : أن الجبال في ذلك اليوم تتلون ألوانا من شدة ذلك اليوم بلون العهن ؛ ألا تراه يقول : وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً [ النمل : 88 ] ، وقال : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً [ طه : 105 ] ؛ فكذلك هذا على ذلك المعنى . وإن كان على التأويل الآخر ، فمعناه : أن الجبال مع شدتها وصلابتها ، تصير في الرخاوة والضعف من هول ذلك اليوم كالصوف المندوف ؛ إذ ذلك أضعف أحواله . وقال قتادة : شبههم بغنم لا راعي لها ، ذكر العهن كناية عن الغنم . وقوله - عزّ وجل - : فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ . فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ، اختلفوا في تأويل الميزان من وجوه ، ولكنّ أقربها عندنا وجهان : أحدهما : أن يكون المراد من قوله : ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ جملة المؤمنين ، وقوله - عزّ وجل - : وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ جملة الكفار ، ويكون الوجه في ذلك أن المؤمن لما عظم حق الله - تعالى - وأقام حدوده كان له ميزان وقيمة وخطر عند الله - تعالى - في ذلك اليوم ، والكافر لما ترك ذلك ، خف وزنه وقيمته وخطره ، وقد يطلق - والله أعلم -
--> ( 1 ) قاله ابن زيد أخرجه ابن جرير عنه ( 37857 ) . ( 2 ) في أ : بعضهم . ( 3 ) قاله قتادة أخرجه عبد بن حميد ، وابن جرير ( 37856 ) كما في الدر المنثور ( 6 / 655 ) . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) في ب : تهافت . ( 6 ) سقط في ب .